languageFrançais

دحمان: منظومة الضمان الاجتماعي متهاوية وإصلاحات الرتق لم تعد تنفع

كشف الخبير في أنظمة الضمان الاجتماعي الهادي دحمان عن الوضع المالي المقلق للصناديق الاجتماعية في تونس، واصفا إياه بـ"المحرج". 

فمع تجاوز قيمة العجز المالي آلاف المليارات، أصبح التساؤل الشعبي مشروعا: من أين سنصرف الجرايات مستقبلا؟

منظومة بالية وإصلاحات ترقيعية

لم يترك الهادي دحمان مجالا للشك في تشخيصه للأزمة، حيث أكد في تصريح للزميلة بشرى السلامي أن منظومة الضمان الاجتماعي في تونس "قديمة ومتقادمة" ولم تشهد إصلاحات جوهرية منذ نشأتها. وأوضح أن الترقيعات الظرفية التي تمت من سنوات 2000 حتى اليوم لم تكن سوى "تهوئة" للمنظومة، سواء في القطاع العام أو الخاص، ولم ترتق إلى مستوى الإصلاح الهيكلي المطلوب الذي يعالج جذور المشكل .

عجز هيكلي بلا ضمانات

لم يأت هذا الخلل من فراغ، بل يرجع، بحسب دحمان، إلى عوامل ديمغرافية واقتصادية موضوعية. فالنظام التونسي هو نظام توزيعي يعتمد بالأساس على مساهمات المقتطعين (المواطنين) من أجورهم، دون دخل يذكر لميزانية الدولة في تمويله، خلافا لما يعتقده البعض .

اليوم، أصبحت هذه التمويلات غير كافية لتغطية الجرايات الشهرية التي تبلغ قيمتها حوالي ألف مليار (مليار دينار) ، بالإضافة إلى بقية الخدمات الاجتماعية. وأكد دحمان أن هذه الوضعية المالية المتردية تنعكس سلبا حتى على الخدمات المسداة من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) وصندوق التأمين على المرض (CNAM)، بسبب التماسك الكبير في طرق الاقتطاع والخلاص بين هذه الصناديق. الخلاصة التي قدمها محدثنا أنه "لا توجد ضمانات على أن الجرايات والمصاريف الصحية تصرف في وقتها" بسبب العجز المالي المتفاقم .

الحل: إصلاح جذري لثلاثين سنة قادمة على الأقل

أمام هذا الواقع، شدد الهادي دحمان على ضرورة الانتقال من منطق "الرتق" أو "التعديل" إلى إصلاح هيكلي جذري يقوم على ثلاث ركائز أساسية أولها الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمضمونين الاجتماعيين والثانية تحسين جودة الخدمات واختصار آجال الاستخلاص والضمان وتتمثل الركيزة الثالثة في إيجاد توازنات مالية دائمة للحفاظ على ديمومة المرفق العمومي.

وأوضح دحمان أن نجاح هذا الإصلاح يستدعي نظرة استراتيجية بعيدة المدى تمتد على ما لا يقل عن 30 سنة، محذرا من العودة إلى الإصلاحات الظرفية التي لا تعمر أكثر من 5 سنوات لتعود المشاكل نفسها. فالإصلاحات السابقة (في 1996 و 2004، و2019) كانت مجرد تهوئة وتوظيفات سياسية .

تحديات التوسيع: الاقتصاد الموازي والمهن الجديدة

كما أشار الخبير إلى أن توسيع قاعدة التغطية الاجتماعية يظل تحديا كبيرا، خاصة في ظل وجود الاقتصاد الموازي الذي يشغل حوالي مليوني مواطن ولا ينتفعون بالتغطية الاجتماعية. 

وأضاف أن المهن الجديدة مثل العمل عن بعد والعمل عبر المنصات الرقمية لا تزال خارج المنظومة. ولفت إلى أن نسبة التغطية الاجتماعية الحالية لا تتجاوز 60 إلى 70%، ما يعني أن 30% من المواطنين غير مشمولين بأي ضمان اجتماعي، وهو ما يشكل ضغطا إضافيا على ميزانية الدولة والتحويلات الاجتماعية على حساب التنمية والتشغيل .

دعوة إلى حوار وطني شامل

واختتم دحمان دعوته بالتأكيد على أن الإصلاح لا يمكن أن يكون أحاديا أو إداريا بحتا. بل لا بد من تكوين لجان فنية تضم مختصين وخبراء، مع تشريك كل الأطراف المتداخلة: أصحاب الجرايات، والمشغلين، والمنظمات العمالية، ومنظمات الأعراف، للوصول إلى رؤية متكاملة تضمن خدمة موضوعية ذات جودة للمواطن التونسي.

بشرى السلامي

share